محمد كمال شحادة

58

تاريخ التعليم الطبي في البلاد العربية

تدريس التشريح : وكانت هنالك مشكلة أخرى ليست أقل أهمية من سابقتها ، وان كانت من طبيعة مختلفة ، وهي متعلقة بدراسة التشريح وتدريسه . ويقول الدكتور كلوت حول هذا الموضوع : « عندما أنشئت المدرسة ، نقل لي وزير الحربية رغبة محمد علي باشا بأن لا « أمس جثث الموتى . وكان من الصعب عليّ أن أقتنع بمثل هذه الرغبة وبالالتزام « بها . فبدون التشريح لا يكون تعليم طبي . فاتصلت بالشيخ العروسي وهو شيخ « الإسلام ، وكان يتمتع بشهرة كبيرة وبنفوذ ديني كبير في كل البلاد المصرية . « وكنت أهتم به كثيرا ، وباعتباره مسنا فقد كنت كثير الالتقاء به للكشف عن « صحته ولمعالجته ، وكان هو يعاملني بعطف ظاهر . ولكني كلما تطرقت إلى « موضوع التشريح ، يرفض اعطاء أية موافقة للقيام به . وكانت حجته الأساسية « هي أن الجثث يمكن أن تتألم . وكنت أتظاهر بقبول هذه الفكرة مع تأكيدي له « بأن الجثة ، في كل الأحوال ، سرعان ما تبدأ بالتفسخ وتصبح فريسة للدود . « وكنت أقول له إن الدين ، ما دام يقبل الطب والمداواة ويحث عليهما فيجب أن « تكون الوسائل المؤدية إلى تعلم هذا العلم ، مقبولة ، ومن هذه الوسائل ، التشريح « الذي هو ضروري جدا لتدريب الطبيب واطلاعه على تفاصيل الجسم البشري « وكان الشيخ العروسي يجيبني دوما ، بأن المؤلفات المنشورة عن شؤون التشريح « تكفي لتثقيف الطلاب وتعريفهم به . « وفي ذات يوم ، جربت ، في محاولة لإقناعه ، أن أقدم له مقارنة تثبت أن العلم « النظري لا يمكن أن يعطي معلومات كاملة . وكانت المقارنة ما بين جسم « الإنسان والساعة . وبينت له أن الساعاتي لكي يستطيع تصليح الساعة لابد له من « أن يعرف كل أجزائها بشكل واقعي وعملي . وكذلك الجسم ، لا بد من معرفة